جاءت حادثة الهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة التي استنارت بهجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – إليها لتكون حادثة فارقة بين الحق والباطل، فارقة بين الاستضعاف والتمكين، لتقدم للعالم النموذج القوي للدولة الإسلامية، والأخوة في الله، فكانت مليئة بالدروس والعبر، التي لو تمسك بها المسلمون لكتب لهم قيادة العالم والأخذ به إلى بر الأمان والنجاة .. حول الهجرة النبوية وبعض الدروس المستفادة التقينا فضيلة الدكتور/ محمد عبد العزيز الحفناوي من علماء وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت لنقف معه عدة وقفات حول هذا الموضوع ...
- بداية فضيلة الدكتور – حفظكم الله تعالى – ماذا عن أهمية الهجرة النبوية المباركة للدعوة الإسلامية قديما وحديثاً ؟
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام وبعد ،،
أقول بداية إن المسلم الحق المهتم بدينه لابدَّ وأن تكون له مع كل حدث وقفة ومن كل وقفة ينبغي أن تكون له عبرة وعظة، وهذه قاعدة أصيلة يجب أن تؤصل في حياة المسلمين؛ كي تمدهم بالزاد الروحي والمعني، والذي يستطيعون من خلاله أن يواكبوا عصرهم ويعوا حاضرهم، فأمة لا تعرف ماضيها ،لا يمكن لها أن تعي حاضرها، وكما قيل:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها".
أما عن سؤالكم فالهجرة واقعة فاصلة وحاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية، فقد خلقت الأمة خلقاً جديداً ،وأقامت للأمة داراً تنسب إليهم وقاعدة يصدر عنها أمرهم ونهيهم، هنالك فقط أصبح للمسلمين أمة لها كيانها البارز ودستورها النافذ، لها رسالتها في الحياة ، فبعد أن كان المسلمون مستضعفين في الأرض ،يعانون الظلم والاضطهاد، ويقاسون ألوان الذل والهوان، جاءت ساحة الهجرة المباركة وتمت النقلة الميمونة، فأصبح للمسلمين كيان وثقل ،فأصبحوا سادة لأنفسهم أحراراً في بلادهم ينظمون شئونهم وفق دستورهم الرباني الذي أنزله الله – عز وجل – على رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – ، وتعد الهجرة كذلك مفتاحاً لسعادة البشرية ورفعتها .
ولذا أقول لأمتنا بكل أطيافها:أنتم في أشد الحاجة إلى استيعاب مفهوم الهجرة بتفصيلاتها، ودقيق معانيها وتحقيقها وإنزالها على أرض الواقع ، ولا أقصد بتحقيق الهجرة المعنى الضيق لها وهو الانتقال من مكان إلى مكان آخر، أو من دولة إلى دولة أخرى، ولكن أقصد الهجرة بكل معانيها السامية، التي هي روح الهجرة وثمرتها والدروس المستفادة منها، ويأتي على رأسها حب الله ورسوله ودعوته والعمل من أجلها وترك ما دونها ؛حتى يكتب لدين الله العزة والنصر والتمكين، إن شاء الله تعالى،{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور – 55).
- وماذا عن الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله سبحانه وتعالى كدرس مهم من دروس الهجرة النبوية ؟
لم يشأ الله – عز وجل – أن يجعل هجرة الرسول– صلى الله عليه وسلم- معجزة خالصة لا دخل للبشر فيها ،فلله أن ينقله وأصحابه من مكة إلى المدينة في لحظات ،كما فعل معه في حادثة الإسراء والمعراج ولكن الله – جل شأنه – وهو القادر على كل شيء أراد أن يجعلها هجرة بشرية من خلال الأخذ بالأسباب، وفق السنن الكونية التي بثها الله – سبحانه وتعالى – في كونه، لتعلم الأمة أنه لابدَّ من الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فالتوكل على الله ،لا يمنع الأخذ بالأسباب، فتجد الني – صلوات الله وسلامه عليه – لم يتكل على عناية الله ورعايته وحفظه له وصحبه الكرام، فلم يٌقصّر في الأخذ بالأسباب، بل جدَّ في كل ما استطاع من قوة في سبيل هذه الهجرة الميمونة، فجاءت خطته للهجرة في غاية الدقة والإحكام .
فيتضح ذلك في تحديد موعد الهجرة، من حيث : الخروج من منزله، واختياره للرفيق، وعدة الطريق واستئجار الدليل، ومخالفته الطريق المعتاد، وتكوين شعبة الاستخبارات والتموين ، والتمويه والإخفاء عندما أخلف علياً بن أبي طالب للنوم مكانه؛حتى ينخدع الأعداء ،إلى غير ذلك من السبل التي اتبعها الرسول – صلى الله عليه وسلم –.
فأراد الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يضع للأمة منهاجاً للتعامل مع أحداث الحياة، فمع التوكل على الله يكون ضرورة الأخذ بالأسباب وبذل الجهد؛ حتى يكتب النصر والتأييد من الله سبحانه وتعالى .
- اليقين بأن النصر والدائرة للإسلام مهما كانت الضوائق التي تمر بها الدعوة الإسلامية ظاهر في حاثة الهجرة .. كيف ذلك ؟
عندما يستقبل المسلمون العام الهجري وتحضرهم ذكرى هذه الهجرة المباركة الميمونة ويقرؤون أسبابها، وآثارها، فإنهم يتذكرون أن الباطل مهما كثر أعوانه وقويت عدته، وانتشر سلطانه، لا يفتأ أن تنهار دعائمه، وتتساقط وحداته أمام الحق ويتوارى منه، فإذا كانت دولة الظلم ساعة فإن دولة الحق إلى قيام الساعة، والليل مهما اشتد ظلامه لابدَّ من طلوع الفجر ،فعلى المسلمين أن يأخذوا بأسباب النصر وعوامل التمكين في الأرض التي حققها النبي – صلى الله عليه وسلم – والصحابة الأولون، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فسادوا الأرض شرقاً وغرباً، فكان النصر حليفهم في كل وقت، فالكون قد انسجم معهم في حركات متناسقة، فجابوا الأرض شرقاً وغرباً ، تحقيقاً لوعد الله سبحانه وتعالى بالنصر والتمكين لمن نصر دينه وحقق العبودية الحقه له سبحانه وتعالى، قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } (محمد/7) ، وقوله {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (الحج – 39) .
فعوامل القوة وأسباب النصرة متوفرة عند المسلمين، إذا أطاعوا الله وساروا على منهج رسوله، وتلك سنة مطردة في كل من أطاع الله.
- وماذا عن الشباب كعنصر أساسي في الدعوة الإسلامية وقد ظهر ذلك جلياً في هذه الرحلة المباركة ؟
الشباب قوة الأمة وزادها وهم طليعة الأمة ورواد حضارتها، وعمودها الفقري الذي تقوم عليه، وأمة بلا شباب فهي عاجزة فانية، فكان صلاح الأمة بصلاح شبابها، ففي حادثة الهجرة كان للشباب دور ظاهر وواضح، فقد قدموا كل غال ونفيس ، فعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كان أول فدائي في الإسلام، حين نام على فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – ليظن المشركون أن النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يغادر فراشه، وكان من الممكن أن يقتل الكفار سيدنا علي- رضي الله عنه - ، وها هو عبد الله بن أبي بكر – رضي الله عنه - الذي كان يأتي بالأخبار للنبي وصحبه؛ ليكون على دراية بكل ما يدبره الأعداء لرسالة الإسلام ونبي الإسلام .
فعلى شباب اليوم أن يقدموا لدينهم ودعوة الإسلام ما يستطيعون تقديمه من الدعوة والإصلاح على المستوى الشخصي والذاتي والأسري والمجتمعي بكل ما أتوا من جهد ومال ووقت ؛كي يعود الإسلام كما كان صاحب ريادة وقيادة يقدم للعالم النور والخير والرخاء في ظل دعوة ربانية، تستقي فكرها ونظامهما من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – .
- وماذا عن دور النساء في نصرة الدعوة متمثلاً في حادثة الهجرة النبوية المباركة ؟
إن للنساء الدور الذي لا ينكر والفضل الذي لا يجحد في نصرة الإسلام ورسوله- صلى الله عليه وسلم - فالمرأة دعت إلى الإسلام كما دعا إليه الرجال، وتفقهت في الإسلام كما تفقه الرجال، وقدمت للإسلام مثلما قدم الرجال، على قدر قوتها وما أتاها الله من مقومات .
وفي حادثة الهجرة تجد دور المرأة لا ينكر ،فها هي أسماء بنت أبي بكر تحمل المؤن والأطعمة ،فأرادت أن تأخذ طعاماً ولم تجد ما تجعل الطعام فيه، فشقت نطاقها ووضعت الطعام في جزء منه، فسميت بذات النطاقين، ولا ننسى دور أم سلمة وموقفها المشرف في حادثة الهجرة، وقبلها في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة ،وهكذا تستطيع المرأة أن تقوم بالأمور الكبرى، حينما تعمر العقيدة القوية نفسها، وحينما تجد التربية الإسلامية الصحيحة .
- الأخوّة في الله فوق كل الاعتبارات والعصبيات ظهرت جلية في رحلة الهجرة .. كيف ذلك ؟
الأخوة في الإسلام سر من الأسرار التي حيّرت أصحاب الفكر وأهل الرأي، تلك الأخوة التي جمعت بين خليط من البشر، أفكارهم شتى وجنسياتهم شتى، وثقافتهم متنوعة، إلا أنهم بفضل الله، جعلت منهم جسداً واحداً وكياناً واحداًَ، فتجد الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : { مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى }
وهذه الأخوة فاقت كل الروابط ،حتى الأخوة في النسب، فها هو مصعب بن عمير يمر على إخوانه المسلمين، وقد أسر أخوه في النسب فيقول مصعب لأخيه المسلم : أشدد وثاقه جيداً فأمه ذات مال، فتفتديه منك بمالها ،فيجيبه أخوه : يا أخي أهذه وصيتك بي؟ فيجيبه مصعب إنه أخي دونك .
فهذه الأخوة تعد نعمة من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده المؤمنين، وهي من فضل الله الذي لا يمكن لأي فكر من الأفكار جمعهم عليه، يقول تعالى : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (الأنفال /63).
وفي الختام نشكر باسمكم فضيلة الدكتور/ محمد عبد العزيز الحفناوي من علماء وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، على هذه الوقفات حول حادثة الهجرة النبوية والدروس المستفادة منها ،ونسأل الله العلي القدير أن يمكن لأمتنا في الأرض ويجعل لها الريادة والقيادة، وأن يجعل لديننا العزة والرفعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
- عدد القراء : 1272
- اطبع هذه الصفحة